الشوكاني
263
نيل الأوطار
قوله : فإن غم عليكم فأقدروا له فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين الصحو والغيم ، فيكون التعليق على الرؤية متعلقا بالصحو ، وأما الغيم فله حكم آخر ويحتمل أن لا تفرقة ، ويكون الثاني مؤكدا للأول ، وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة . وإلى الثاني ذهب الجمهور فقالوا : المراد بقوله : فاقدروا له أي قدروا أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين ، ويرجح هذه الروايات المصرحة بإكمال العدة ثلاثين . قوله : فإن غم بضم المعجمة وتشديد الميم أي حال بينه وبينكم سحاب أو نحوه . قوله : فاقدروا قال أهل اللغة : يقال قدرت الشئ أقدره وأقدره بكسر الدال وضمها ، وقدرته وأقدرته كلها بمعنى واحد وهي من التقدير كما قال الخطابي ، ومعناه عند الشافعية والحنفية وجمهور السلف والخلف فاقدروا له تمام الثلاثين يوما ، لا كما قال أحمد بن حنبل وغيره : إن معناه فذروه تحت السحاب ، فإنه يكفي في رد ذلك الروايات المصرحة بالثلاثين كما تقدم ، ولا كما قال جماعة منهم ابن شريح ومطرف بن عبد الله وابن قتيبة إن معناه قدروه بحساب المنازل ، قال في الفتح : قال ابن عبد البر : لا يصح عن مطرف ، وأما ابن قتيبة فليس هو ممن يعرج عليه في مثل هذا ، ولا كما نقله ابن العربي عن ابن شريح أن قوله : فأقدروا له خطاب لمن خصه الله بهذا العلم . وقوله : فأكملوا العدة خطاب للعامة لأنه كما قال ابن العربي أيضا : يستلزم اختلاف وجوب رمضان ، فيجب على قوم بحساب الشمس والقمر ، وعلى آخرين بحساب العدد وقال : هذا بعيد عن النبلاء . قوله : الشهر تسع وعشرون ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين مع أنه لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين . والمعنى : أن الشهر يكون تسعة وعشرين أو اللام للعهد ، والمراد شهر بعينه ، ويؤيد الأول ما وقع في رواية لام سلمة من حديث الباب بلفظ الشهر يكون تسعة وعشرين . ويؤيد الثاني قول ابن مسعود : صمنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين أخرجه أبو داود والترمذي ، ومثله عن عائشة عند أحمد بإسناد جيد . قوله : فلا تصوموا حتى تروه ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في كل أحد ، بل المراد بذلك رؤية البعض إما واحدا على رأي الجمهور ، أو اثنان على رأي غيرهم ، وقد تقدم الكلام على ذلك ، وقد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها وسيأتي تحقيقه . قوله : الشهر هكذا وهكذا الخ ، قال النووي : حاصله أن الاعتبار بالهلال لأن الشهر قد يكون تاما ثلاثين ، وقد يكون ناقصا تسعة وعشرين ،